محمد هادي معرفة
103
التفسير الأثري الجامع
والسّلام في الزمان ، تصان فيها الدماء والحرمات والأموال . فمن أبى أن يستظلّ غيره بهذه الواحة أو أن ينعم بفيء تلك الساحة ، وحاول حرمان المسلمين منها ، فجزاؤه أن يحرم هو منها بطريق أولى . والّذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته ، فالحرمات قصاص جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها « 1 » . [ 2 / 5294 ] أخرج أبو داوود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عبّاس في قوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 2 » وقوله : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ « 3 » وقوله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ « 4 » قال : هذا ونحوه نزل بمكّة ، والمسلمون يومئذ قليل ، فليس لهم سلطان يقهر المشركين ، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى ، فأمر اللّه المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل ، فلمّا هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى المدينة وأعزّ اللّه سلطانه أمر اللّه المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم ، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهليّة ، فقال : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً « 5 » . يقول : ينصره السلطان حتّى ينصفه من ظالمه ، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحميّة الجاهليّة ولم يرض بحكم اللّه تعالى « 6 » . [ 2 / 5295 ] وأخرج أحمد وابن جرير والنحّاس في ناسخه عن جابر بن عبد اللّه قال : لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يغزو في الشهر الحرام إلّا أن يغزى . وكان يغزو حتّى إذا حضر ذلك ( أي الشهر الحرام ) أقام حتّى ينسلخ « 7 » . [ 2 / 5296 ] وقال مقاتل بن سليمان في قوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمسلمين ساروا إلى مكّة محرمين بعمرة ، ومن كان معه عام الحديبيّة ، لستّ سنين من هجرته إلى المدينة ، فصدّهم مشركو مكّة ، وأهدى أربعين بدنة - ويقال مائة بدنة - فردّوه وحبسوه شهرين لا يصل إلى البيت ، وكانت بيعة الرضوان عامئذ . فصالحهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أن ينحر الهدي مكانه في
--> ( 1 ) يونس 10 : 27 . ( 2 ) الشورى 42 : 40 . ( 3 ) الشورى 42 : 41 . ( 4 ) النحل 16 : 126 . ( 5 ) الإسراء 17 : 33 . ( 6 ) الدرّ 1 : 498 ؛ الطبري 2 : 272 / 2573 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 329 / 1740 ؛ البيهقي 8 : 61 . ( 7 ) الدرّ 1 : 499 ؛ مسند أحمد 3 : 345 ؛ الطبري 2 : 471 / 3250 ، ذيل الآية 217 ؛ ابن كثير 1 : 235 .